أفق – د. ناديا ظافر شعبان*
يُمكننا أن نبدأ بالقول إنّ دمّ فرنسيسكو بيزارو فاتِح البيرو كان عربيّاً. إنّ سلالته عريقة، وترقى في غالب الظنّ إلى أسلاف الرسول. هو يتحدّر من سلالة أبو علي (abohali)؛ وهو زعيمٌ مُسلم كان في البرتغال، في منطقة شمال نهر التاخو، وقد أسره فرسانٌ مسيحيّون في إحدى المَعارك واقتادوه إلى بلاط الملك ليون ألفونسو الثالث؛ ما جعل كبير عائلته يدفع بمئة ألف مرابطي كفدية، وأطلق سراحه. كان من كِبار النبلاء، وهذا يحملنا على الاعتقاد بأنّه يتحدّر من سلالة عبد المطّلب (Abd almutalib) جدّ الرسول العربي الكريم، ويَرد اسمه محرّفاً في الوثائق التاريخيّة Abothali – Abethay – Abehali- abutalib وهذه الأسماء كلّها يمكن أن تتأتّى من Abd al Mutalib.
تتصدّر هذه السطور المهّمة والدالّة الصفحة الأولى من كِتاب “الأثر الموري في البيرو في زمن النيابة الملكيّة “، بتوقيع أنطونيو دل بوستو، المؤرِّخ العلّامة والمَرجع الثقة.
استعادت الباحثة ليلى بارتيت هذه السطور في كِتابٍ وقَّعته مع زميلها الفلسطيني فريد كحات، وعنوانه يعبّر عمّا فيه كفاية: “الأثر العربي في البيرو”.
موَّل صندوق البرلمان البيروفي طَبْع الكِتاب، وهذا ينمّ عن الاهتمام الرسمي الوازن بتشجيع البيروفيّين على مَعرفة عناوين وتفاصيل تاريخيّة مهمّة ودراستها، هي جزء من نسيج كينونتهم التاريخيّة. فالشعوب التي تقطع صلة الرحم مع ماضيها، تُضيِّع البوصلة في طريق مستقبلها. وأميركا اللّاتينيّة، ومنذ أواخر التسعينيّات تقريباً، خلعت عن جسدها أرديةً فصّلها لها الاستعمار، وبدأت تتوحّد مع جذورها. ومن هنا رأينا هذا الكمّ اللّافت والمتزايد من الدراسات التي تتناول كلّ ما يتعلق بوجود المُسلمين والموريسكيّين في القارّة التي كانت البيرو فيها مركزاً أوّلاً لتجذُّر الثقافة الأندلسيّة، ومنه انتشرت هذه الثقافة في مُختلف أرجاء القارّة.
يُجمِع الباحثون على أنّ الإرث الثقافي العربي الأندلسي، انتقل إلى البيرو منذ أن افتتحَ هذا البلد فرنسيسكو بيزارو ، وكان له فيه مركز السلطة الأوّل، يعاونه في ذلك بعض أصدقائه الأندلسيّين المتنصّرين، الذين تدلّ أسماؤهم بوضوح على أصولهم المُسلمة، وأشهرهم كريستوبال دي بورغوس ودييغو دي ألماغرو.
ثمّة سببان آخران أسهما في نشر سمات الثقافة الموريسكيّة في البيرو، هُما: انضمام أندلسيّين كثر إلى حملة الفتح، وكانوا جنوداً وبنّائين، ووصول “العبدات البيضاوات” إلى البلد.
المهمّ أنّ النسب – أو السلالة – ليس اسم عائلة فحسب: إنّه انتماء إلى أرضٍ وقومٍ، وتماثلٌ مع سمات هويّتهم، وتعاليم دينهم، ولغتهم، ويوميّاتهم الحياتيّة، وكذلك مع تقاليدهم، وأعرافهم، وسلوكهم الاجتماعي، ومَشاعرهم القوميّة الموروثة عبر التاريخ.
في حديثه عن “الغاوتشي”، أي الفارس المتمرّد على الظُّلم، يذكر الباحث شمس الدّين إيليا، أنّه علينا أن نأخذ بعَين الاعتبار، أصل البداوة العربيّة لأجداده الذين عاشوا في صحراء شمال أفريقيا، وأورثوه هذا المَيل إلى الترحال. وفي وصفه لأصالته الإسلاميّة الأندلسيّة، يذكر ألبرتو أنّ من صفاته الشجاعة، التعصّب للحريّة والتقاليد، فضلاً عن الرجولة والمَشاعر الإنسانيّة.
انطلاقاً من هذا المفهوم، يُمكننا أن نُدرك لِمَ كانت البيرو بمثابة المركز الأوّل لتجذّر الثقافة الأندلسيّة المُسلمة وانتشارها في القارّة. أمّا المركز الثاني، فاحتلَّته المكسيك، لأنّ ثقافة حكّامها الإسبان الأوائل كانت غرناطيّة. ويُمكننا أن نفهم أيضاً الاهتمام بتقصّي أصول الأنساب والسلالات الموريسكيّة، فالبيروفيّون كما يُقال، موريسكيّو العادات، حتّى في تناول الحساء.
اشتهرت في هذا التقصّي الباحثة كيم بيريز فرنانديز فيغاريس، التي كانت مُساعِدة في قسم التاريخ القرن- أوسطي في جامعة غرناطة.
في بحثها “أسماء عائلات موريسكيّة في البيرو”، ذكرت بيريز أسماء ستّ وعشرين سلالة هاجَرت جماعاتها إلى إمبراطوريّة الأنكا التي سمّاها رجال بيزارو “البيرو”. (أَسْبَنة لاسم نهرٍ ينساب في السفح الجنوبي الأميركي Biru).
ووفقاً للمُعطيات العلميّة المتقصّاة، يتباين عدد أسطر التعريف بتلك السلالات، التي يُمكننا لدى دراسة تاريخها، أن نُبدي ملاحظات أوليّة يكشف مضمونها، وبوضوح، حقيقة واقع سياسي ديني، واجتماعي ثقافي:
1- هاجر الموريسكيّون إلى العالَم الجديد من مناطق خمس من عاصمة مَملكة غرناطة ومُدنها: الميريّة وباييزا، وادي أش وجبال البشارات، وهاجروا أيضاً من سرقسطة وخاين وبورغوس.
2- لم نعرف بالتدقيق تاريخ هجرات تلك الجماعات ولا الأماكن التي استوطنوها، وأوّل مدينة شيِّدت في البيرو هي بيورا، وذلك في العام 1532.
3- بعض السلالات يُعرف باسمٍ واحد: غرانادا، أو يُكتب بطريقتَين مُختلفتَين: بن نسّار أو بن نصّار. وبعضها يُعرف بتسميات ثلاث: بنوميّة، بتخوميدا، وبنخوميّة..والبعض الآخر بأربع تسميات: أبيلا، إبيلاس، أبيلوس وأبياس.
4- نسبة السلالات الغرناطيّة المُهاجِرة كانت الأعلى، وأسماؤها تدلّ بوضوح على إسلاميّتها، فبعد سقوط غرناطة، أَجبرت إجراءات الملكيّين الكاثوليكيّين نبلاء غرناطة الرافضين التنصّر على الهجرة، ليبقى المهزومون بلا قائد ويزدادوا تشتتاً وضياعاً ويأساً.
تبقى أشهر تلك السلالات هي سلالة غرانادا بينيغاس، المتحدِّرة من سلالة سيدي يحيى الجار وسيّدتي مريم بينيغاس، اللّذَين عُمِّدا في سانتافيه وسُمّيا: دون بيدرو دي غرانادا ودونيا ماريا.
وفي المقابل، فإنّ أسماء سلالات شرق إسبانيا ووسطها، فهي “مؤسبنة” وتدلّ عليها أماكنها مثل خاين وأراندا.
5- من خلال التعريف بالتسميات والعائلات نقرأ عن مكانة بعض الشخصيّات البارزة في تاريخ سلالتها، وعن دلائل إسلاميّتها، وعن المَواقع التي كانت تشغلها: فرناندو دي فالور أو ابن أميّة، كان قائد ثورة جبال البشارات؛ وسيدي يحيى النجّار كان حاكِم الميريّة، وكان رجلاً ذا قدرٍ عال، وشجاعة نادرة، دافَع عن سلطته ستّة أشهر، وقّع بعدها على استسلامٍ مشرّف.
تجدر الإشارة إلى أنّ شعار سلالة دي سوليس المتحدّرة من ابني مولاي حسن من زوجته الجارية الإسبانيّة إيزابيل دي سوليس هو: “لا غالب إلّا الله” وقد توزّع على أكثر من جدار من جدران قصر الحمرا.
6- تشير بيريز إلى أنّ فروعاً لتلك السلالات ما زالت تعيش في إسبانيا حاليّاً؛ وقد برز بعض أعضائها في الحياة الأدبيّة والعامّة، مثل الكاتِب رودولفو جيل بنو ميّة، وخافيير بنوميّة الذي كان وزيراً للطيران في عهد فرانكو، وخوليو مولاي الصحافي الشهير في التلفزيون الإسباني.
وما زالت تعيش في مدريد حتّى اليوم أكثر من ثمانٍ وخمسين عائلة تحمل كنية غرناطة.
كلّ ما عرضناه في مقالتنا هذه، هو غيض من فيض عائلات هذه السلالات الموريسكيّة العريقة وذات التاريخ العظيم الذي ما نزال – نحن العرب – نحنّ إليه، ويثير فينا شغفاً حضاريّاً لا تأفل شمسه. نعم، فكلّ عربي مشدود إلى تاريخه وتراثه، يَعتبر الأندلس وامتدادات الأندلس في العالَم الجديد جزءاً لا يتجزّأ من شخصيّته الحضاريّة، وخصوصاً أنّ أجداده كانوا قد اكتشفوا العالَم الجديد بنحو أربعة قرون قبل كولومبس، أي إلى ما بين عامَي 1100 و 1150 ميلاديّة.
وإذا كانت بعض المُعطيات تحتاج إلى تعيين تاريخها بدقّة أكثر، فهذا لا يؤثّر على قيمة بحث بيريز، الذي ينمّ عن جهد كبير قامت به لتؤرِّخ لكينونة السلالات الموريسكيّة في البيرو؛ هذا البلد العريق الذي لا يزال يحتفظ بالطابع المعماري الأندلسي بشكل لافت، وخصوصاً في العاصمة ليما. فكلّ مَن زار هذه العاصمة يخال نفسه وكأنّه في مدينة أندلسيّة أعيد إحياؤها من جديد.
خلاصة القول، إنّ موضوع السلالات الموريسكيّة ما زال يشغل بأبعاده كلّها الباحثين والمؤرّخين الثقاة في البيرو، وذلك منذ أن بدأ اعتناق الإسلام في البيرو، وخصوصاً في العاصمة ليما.. امتداداً إلى مُدن الكوسكو وإنكافليكا وبوكالبا وتاكنا وبونو وتومبس وبيورا…إلخ.
*كاتبة وروائيّة من لبنان

قم بكتابة اول تعليق