الجديدة: بين غنى المؤهلات ومظاهر الفوضى .. مدينة تبحث عن نهضتها المفقودة

تعتبر مدينة الجديدة، عاصمة دكالة واحدة من أبرز الحواضر التي تجمع بين عمق التاريخ وغنى الموارد وتنوع المؤهلات ، فمنذ نشأتها، ارتبط اسم الجديدة بالإشعاع الحضاري والاقتصادي، حيث تحتضن معالم تاريخية بارزة مثل الحي البرتغالي المصنف تراثا عالميا، والذي يعكس تعاقب الحضارات على المدينة ويجسد غناها الثقافي.

تتميز الجديدة بموقع استراتيجي وبمؤهلات طبيعية مهمة، إذ تزخر بسهول دكالة الخصبة التي جعلت منها قطبا فلاحيا بامتياز، حيث تُنتج مختلف الزراعات وتساهم بشكل كبير في الاقتصاد الوطني ، كما تُعد منطقة الجرف الأصفر من أكبر المنصات الصناعية في المغرب .

وعلى المستوى السياحي، تتوفر المدينة على مؤهلات هائلة، أبرزها شواطئها الجميلة الممتدة على طول الساحل، إضافة إلى منتجعات عالمية مثل منتجع مازاغان الذي جعلها وجهة مفضلة للسياح من داخل المغرب وخارجه ، كما تُعرف الجديدة بثقافتها الغنية واحتضانها لمهرجانات فنية وتراثية، فضلا عن مكانتها في عالم الفروسية، حيث تُلقب بعاصمة الفرس بالمغرب، وتحتضن فعاليات تقليدية تعكس أصالة المنطقة.

ولا يمكن إغفال دور الصيد البحري، الذي يشكل رافعة اقتصادية مهمة، بالنظر إلى موقعها الساحلي ووفرة ثرواتها البحرية، مما يعزز من تنوع أنشطتها الاقتصادية.

غير أن هذه الصورة المشرقة تقابلها مجموعة من الإكراهات والتحديات التي تؤثر سلبا على جودة العيش بالمدينة ، فالبنية التحتية تعاني من الهشاشة، سواء على مستوى الطرق أو التجهيزات الأساسية، كما يشهد قطاع النظافة اختلالات واضحة، تعكس ضعفاً في التدبير والتتبع ، ويزيد من حدة هذه المشاكل غياب تخطيط استراتيجي محكم، حيث يبدو التسيير في كثير من الأحيان عشوائيا ويفتقر إلى رؤية عمرانية متكاملة.

كما تعاني المدينة من نقص في المرافق العمومية والتنظيم الحضري، مما يؤثر على جاذبيتها ويحد من استغلال مؤهلاتها بالشكل الأمثل ، ويبرز كذلك التوسع العمراني المتسارع، الذي لا يواكبه توسع تنموي حقيقي، ما يخلق اختلالاً بين النمو السكاني والخدمات المتاحة.

يعاني قطاع النقل بمدينة الجديدة كذلك من اختلالات واضحة تزيد من معاناة الساكنة والزوار على حد سواء، حيث تسود فوضى عارمة في خدمات سيارات الأجرة، مع غياب استعمال العداد، مما يفتح الباب أمام العشوائية والاستغلال ، كما أن مشروع نقل المحطة الطرقية عرف تعثرا وفشلا في تحقيق الأهداف المرجوة، ليبقى الوضع على حاله دون تحسين ملموس في جودة الخدمات أو تنظيم حركة المسافرين ، ولا تقل مشاكل النقل السككي حدة، إذ يعرف خط المكتب الوطني للسكك الحديدية المرتبط بالمدينة تأخيرات متكررة وضعفاً في جودة الخدمات، ما يؤثر سلبا على تنقل المواطنين ويكرس صورة سلبية عن قطاع حيوي يفترض أن يكون رافعة للتنمية

هذا الواقع جعل العديد من أبناء الجديدة يستحضرون الماضي بحنين، حين كانت المدينة أكثر تنظيما وجاذبية، قبل أن تتفاقم مظاهر التراجع في مختلف القطاعات.

إن الجديدة، رغم كل التحديات، لا تزال تمتلك كل المقومات لتكون واحدة من أفضل المدن المغربية، لكن ذلك يظل رهينا بوجود رؤية تنموية واضحة، وإرادة حقيقية للإصلاح، تقوم على التخطيط المحكم، وتحسين الحكامة، وإشراك مختلف الفاعلين، من أجل إعادة الاعتبار لهذه الحاضرة العريقة، وجعلها في مستوى تطلعات ساكنتها وإمكاناتها الكبيرة.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 35 = 39