تاريخ ومفهوم!

بقلم – د. جميلة فعراس

زناكة هي فئة لا يوجد ما يميزها عن سكان البلاد من العرب من حيث اللون واللسان والعادات، غيرأنهاعانت عبر تاريخها من النبذ والتهميش الإجتماعي، وعاشت في مستوى متدن وفق التراتبية الإجتماعية التقليدية، واقتصر دورها على الرعي، وكانت تقدم الغرامات للفئات الأخرى (حسان والزوايا) مقابل الحماية الأمنية والروحية، ومفهوم “زناكة” له تموقع جغرافي بأرض شنقيط، وقد انتقل كما انتقلت مجموعة من المفاهيم إلى أرض الصحراء وإلى لسان قبائلها، ولعل أكثر القبائل تداولا لهذا المفهوم نجد قبيلة في اقصىالجنوب نظرا لامتدادها الجغرافي داخل أرض شنقيط وأرض الصحراء.

ولا علاقة لهذا المفهوم بتسمية القبيلة الأمازيغية التي تقع على الحدود الشرقية لمجال القطر السوسي الكبير، التي تعرف بالأمازيغية باسم إيزناكــن، نسبة لقبائل صنهاجة، ويعتبرها الباحثون والمؤرخون من ضمن قبائل حوض درعة، الغربي، وتحدها شمالا قبيلة أيت عامر، ومن ورائها اتحادية قبائل أيتواوزكيط وغربا قبيلة إيسكتانالسوسية، وجنوبا قبيلة الفائجة، وتقع في أقصى شمالها مدينة (تازناخت).

والشاهد هنا في تناول مفهوم “زناكة” هو ما وصل إلى علمنا من تناول دراسة مقدمة من طرف الأستاذ محمد الغيث ماء العينين أمام المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات في مسألة الصحراء وإشكالية الهوية ، وهي دراسة لسنا بصدد تقيمها ولا بصدد رصد أخطاءها الشكلية والموضوعية إن وجدت ، لكننا بصدد تقديم أسئلة للباحث بعيدا عن منطق القبلية والتي يعلم الباحث أننا لسنا من مروجيها ولا من من اعتمدها لإيجاد مكانة انية زمكانية له داخل السلم الاجتماعي “فالمعروف لباسو مايهم عراه”، لكن لابأس بالاستعانة بشهادةلدكتور حمداتي شبيهنا ماء العينين في قبيلة أولاد تيدرارين المشار اليها بدراسة وفهمت الإشارة عن غير قصدها  بقوله: “فإنهم من الأصل العربي الذي لا جدال فيه، وأن نسبتهم إلى الأنصار هي ثابتة بتواتر الروايات الشفوية”.وقبلهاشهادة الله عز وجل وثنائه على الأنصار بقوله:” وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون”.وبعدها قول الرسول صل الله عليه وسلم اية الايمان حب الأنصار وايه النفاق بغض الأنصار.

أما عن وطنيتهم فهي راسخة وقوية، فطيلة تحكم الاستعمار في الصحراء المغربية بقي أولاد تيدرارين هم أبعد القبائل منه، فلم يلتمسوا نفعا ماديا منه، ولم يمتهنوا العمل معه، باستثناء أفراد قلائل، بل لما تحكم انزووا في الأرض التي يسكنون فيها واشتغلوا بالفلاحة وتنمية الكسب، ومنعوا أولادهم من الدراسة في المدارس التي فتحها المستعمر بـ«طرفاية» و«العيون» و«الداخلة»، ولم تعرف القبيلة رئاسة مستبدة بالسلطة بل كانوا يحكمون الأعراف و«اجماعة» في أمورهم.

ولما خاض المغرب معركة التحرير كان «أولاد تيدرارين» من الأوائل الذين أسرعوا جميعهم للدخول في الخلايا الوطنية. 

لكننا نتسأل عن جدوى اعتماد الباحث على معطيات استعمارية،يعرف تلميذ السنة الثانية ثانوي أنها كانت عبارة عن تقارير ممهدة للاستعمار أو الحماية في لحظة زمنية معنية لا تعكس امتداد القبائل في الصحراء ولا أصولهم ولا مكانتهم ولا عرقهم ، لأجل تحديد وفك إشكالية الهوية في الصحراء؟

وهذا لا يعكس ضربنا في تلك الدراسات إلى حد القطع معها ، لكن من المستحسن والباحث  ابن دار العلم أن يستحضر عند فتحه تلك الدراسات المنطق الزمكاني ومسببات تلك الدراسات وأهدافها،فقد يصادف فيها أن أهل بيته ليسوا من أهل الصحراء بل اجتمع حولهم أهل الصحراء بسبب حملهم كتاب الله ، والاحرى بالباحث وهو يتناول إشكالية الهوية بالصحراء أن يعتمد وينجز دراسة حالية تعكس تشكلات المجتمع الأن ويسأل الواقع، أما الإعتماد الكلي على الخط التاريخي لن يوصل إلى نتائج ، إذا ما علمنا أن الباحث وقف عند نقطة الكتابات الاستعماريةلأثبات هوية بعض القبائل أو لأثبات وجودهم على مجال الصحراء من عدمه،  كأن التاريخ بداء من تلك النقطة؟ 

ولست على علم بأن زناكة مع تحفظي على هذا الوصف لهم خيام مستقلة، ولا علم بأن أهل الصحراء يستعملون هذا المصطلح أو يستسيغون استعماله بشكل عام إلا في حالات نادرة، مع أن الكثير مازال تحت رحمة سؤال ” أنت ولد من، و من أي الناس أنت” .

 إن إشكالية الهوية في الصحراء والبحث فيها وتناولها الأن وفي هذا الوقت أظنه بحسب تقديري مضيعة للوقت، لأننا ببساطة نعيش تحت لواء دولة مدنية ولا أنكر أن الدولة في كثير من الأحيان تستند على المعطى القبلي لتمرير بعض الأمور، لكون غالبية سكان الصحراء من فئة الشباب وهوية هؤلاء الشباب تحددها امكانيتهم المادية ومستواهم المعيشي، ولا تحددها دراسات غلب عليها غبار التاريخ ، ولم تعد لها أهمية بالنسبة لهم، هويتهم هي الشغل والعيش الكريم ، هويتهم هي الرفاه والتعايش، وقد يسمع احدهم شكر قبيلته فيبتسم ابتسامة لا تنسيه واقعه المعاش، وقد يسمع ذم قبيلته ويبتسم ابتسامة استهزاء خفيفة ، فعهد اثبات الولاء لم يعد كما كان، والدولة اليوم مطالبة برعايتها لندوات تسلط الضوء على واقع اهل الصحراء، وتقييم سياساتها العمومية بالصحراء، وليس لندوات تثير النزعة القبلية التي يعتبرها الطرف الاخر المنازع على الأرض أنها جريمة وطنية بحسب قولهم. 

والدولة اليوم مطالبة بمناقشة قضايا الصحراء الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بقلب الصحراء وعليها القطع مع مركزية النقاش، وعليها الانتباه لتغيرات منظومة القيم وتغيير مطالب الساكنة ، وإن كان لابد لها من البحث في التاريخ فعليها أن تبحث في تجارب الأمم علها تجد ما يفك إشكالية المشكل المفتعل، وعلى ممثلي القبائل الذين لم يستطيعوا الانخراط في عالم اليوم والتخلص من تلك النزعة التي تغدي التفرقة الاشتغال على الجانب الاجتماعي والقيمي للقبائل، وأن يبحثوا على ما من شأنه الحفاظ على وحدة قبائل الصحراء وإرساءدعائم التعايش والسلم والحفاظ على الموروث والقيم، وليس بيع الوهم لأجل الحصول على مكانة عند المخزن فدار المخزن ولت ، ونحن اليوم نعيش في دار المدنية والمساواة والديمقراطية، وعلى الباحثين إعادة توجيه أقلامهم نحو واقع الصحراء وساكنتها وتتبع تطور المجتمع وتسليط الضوء على مشاكله الاجتماعية والاقتصادية والسياسة، بدل مسح الغبار عن كتب خدمة مشروع استعماري في فترة زمنية غابرة.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


33 − = 32