كثرة “الكلام” تهدم الثقة و لا تبني المستقبل

بقلم: يونس التايب (فاعل سياسي ومتخصص في الحكامة الترابية)

يقول مثل فـرنسي شائع: “الطبيعة تكره الفراغ”La nature a horreur du vide. بمعنى أنه كلما غاب “الفعل”، وكلما حلت “سكينة” سلبية، إلا وتحركت ديناميكية الطبيعة لتملأ “الفراغ” بأي شيء يُحـدث صخبا ويغطي على “غياب الفعـل”، و يمحو أثر الصمت الذي يترتب عنه. و يقول مثل آخر: “الإكثار من التواصل يقتل التواصل” Trop de communication tue la communication. هي أمثلة تنطبق على مجالات الحيـاة المختلفة، وتسري في مختلف المجتمعات الإنسانية. 

لكن عنـدمـا يتعـلـق الأمـر بالمجـال السياسي، فإن المسألة تأخـذ تجليـات أخـرى قد تختلط فيها دلالات المثلين، بحيث يسقط البعض في فخ محاولة “ملأ الفراغ” عبر “الإكثار من الكلام والتواصل”، الشيء الذي يؤدي إلى إنتاج سلوكيات غريبة، وبأثر أعمق على المحيط. 

وفي واقعنا الوطني، الموسوم بهشاشة الاستراتيجيات التواصلية،  و بنسبية الأداء السياسي لمجموعة من الهيئات والأفراد، نجد بعض الفاعلين يسعون إلى ملأ الفراغ كلما وجدوا أنفسهم متضررين من أثره، دون انتظار أن تقوم الديناميكية التلقائية الطبيعية بهذه المهمة. وفي أغلب الحالات، لا يكون ذلك بسبب رفض الصمت الذي يعلو من “الفراغ”، وإنما هو رفض لما يرمز إليه من “غياب” و من “موت رمزي”، قد يفهم على أنه “نهاية وجـود” أو “انتهاء أدوار”. 

وإذا استحضرنا أن أغلب ممتهني الفعل السياسي، عبر العالم، يعشقون البدايات و وهجها، فهم على نفس القدر، يألمون ويتحسرون، بل يبغضون النهايات التي تُخرجهم من دائرة الضوء، و تبعدهم عن وهج السلطة  ومجد الجاه، و تُدخلهم في غيابات النسيان. لذلك، نجد العديدين يفقدون القـدرة على ضبط النفس و تغلـيـب الحكمـة، وتراهـم يجتهـدون ويكثرون “الكلام” و “الخرجات”، و “إنتاج المواقف” بدون سبب ولا سياق موضوعي، ولا يهمهم في ذلك شيء سوى ملأ الفراغ، بأي شكل من الأشكال. المهـم أن لا يقال عنهم أنهم “ماتوا سياسيا” أو انتهت “أدوارهم”.

قبل ثلاثة أيام، انطلق في وسائط التواصل الاجتماعي سجال قوي، و انتشرت تعليقات تتفاعل مع كلام “من خرج” يُحدث الناس و يحكي “ذكريات أيامه الذهبية”، ويتقاسم معهم “أخبار تقاعده”، و يسوق لهم “التبريرات” المصاحبة له. 

لا أخفيكم أن “حديث الليل” هذا، و ما تبعه، جعلني أشعر بحـزن و أسى بالغ من واقع هذه “الخرجات” و مما تنتجه من هدر للطاقات وللوقت في “الخوى الخاوي”. 

وبالنظر إلى ما صرنا في خضمه، خلال الأيام الأخيرة، من صخب و تواصل كثيف، يتم بشكل منسق، وكأنه جهـد مضاعف يبذله “المتحدثون” لملأ الفراغ، أو لفت الانتباه، و التغطية على غياب أي فعل ينفع الناس في معيشهم اليومي، أحسب أن هذه السلوكيات لن تزيد إلا في تعميق الهـوة بين عموم المواطنين، وبين “الفاعل السياسي و الحزبي”، كما قد تهدم ما بقي لدى الشباب من ثقة في العمل السياسي عامة.

وكيف لا يحدث هذا، عندما يتكلم من ينعتون ب”الزعماء”، خلال ساعة كاملة، و يكون الكلام مزيجا من كل شيء، و حديثا عن كل شيء، إلا في ما ينفع الناس ؟

كيف لا يحدث هذا، إذا كان كلام “حكيم سياسي” و”جهـبـد مُحـدث”، لا يرقى مضمونه ليمنح المواطن المهـتـم، أي فكـرة مبتكـرة أو اقتـراح حكيم لتقـويـم تدبيـر الشأن العـام، و لا يرقى ليمكن المواطن من استشراف مستقبـل أفضل لأبناء البلد، من خلال حديث يتواصل بشأن سياسة عمومية جديدة في الأفق، أو برنامج حكومي يتـم التفكيـر في تنـزيلـه. ما فائدة الكلام من الأصل؟ أليس الصمت أفضل و أكثر وقارا؟

بالله عليكم… تصوروا معي حالة العجزة و ضعاف المتقاعدين الذين يئنون تحت وطئة الضيق المادي و المشاكل الاجتماعية… و تصوروا حالة شباب اعتقدوا أن بإمكانهم الاستثمار في بلدهم، و خلق فرص عمل لشباب غيرهم، و وجدوا أنفسهم في النهاية يتخبطون في البيروقراطية الإدارية و يتعرضون للابتزاز و ضغط المرتشين… وتصوروا حالة  شباب مغربي حاصل على دبلـوم عالي و يعـاني من البطالـة… تصوروا بؤس حالتهم، إن هـم خرجوا من البيت، تحيط بهم عـوالـم المخـدرات، وآفـة الجلـوس في المقاهي، و مخاطر عنـف الشـارع. و إن هم ظـلوا في البيـت، يتـألـمون لرؤيـة الوالـد أو الوالدة يخـرجون في الصبـاح الباكـر ليشقوا اليـوم كلـه، من أجل 2000 درهم نهاية الشهـر، بدون تغطيـة صحيـة فعليـة ولا تقـاعـد.

بالله عليكم، ماذا يا تـرى بإمكان هؤلاء الشباب أن يفكروا فيه وهـم يستمـعون إلى من يحكي عن أن “زمانه” كان “أفضل الأزمنة”، و ينصتون إليه و هو يروي حكايـة “تقـاعـده” ؟ هل بالإمكان بناء تحليل منطقي ومنسجم، نحاجج به أولائك الشباب و نقنعهم بصدق كلام “الأمجاد الحكومية”، و نشرح لهم السياقات و المنجزات، في وقت لا يرون إلا البؤس ينبعث من حولهم؟

في اعتقادي، أن أقل رد فعل من أولائك الشباب الذين يتقاسمون وضعية تهميش حقيقي و هشاشة بلا أفق، هو أن يزيد يقينهم باستحالة أن يكون للمنطق “السليـم” وللحكمة مكان بيننا يوما ما. والأخطر هو أن يكفر الشباب بكل شيء من حولهم، بالناس و بالوطن. 

ولعمري، هذا ما يجب أن يحز في النفس، ويؤلم أشد الإيلام  كل قلب وطني غيور يحمل قيما إنسانية تتفاعل مع فقر الناس و مع عوزهم، وتطمح لتنمية مدمجة وشاملة.

بكل صدق، أتمنى أن يعي الجميع أن التحديات التي تواجهها بلادنا كبيرة و متنوعة، كما هي كبيرة فرص الإقلاع الاقتصادي والتميز السياسي والدبلوماسي للنموذج المغربي، على مستوى العالم، لو انخرطت كل الفعاليات، حقا و صدقا، في خارطة الطريق الاستراتيجية التي حملتها كل الخطب الملكية، والتي ما فتئت تدعو الجميع إلى الحكمة و الرصانة والتعبئة من أجل حماية مشروع كبير اسمه المغرب،  والمساهمة  في تقويته وإعلاء شأنه، بنفس وطني يعلي مقام المسؤولية و يلغي التهافت. 

وعلى هذا الأساس، يستحسن على الجميع أن يعووا أن طريق العودة إلى “أضواء الإعلام و السياسة”، لا تتم عبر الإكثار من “الحديث” و “الخرجات” التي قد توحي بأن “العودة” متمحورة حول “الذات”، و حول ترطيب جراح “الأنا”. 

لكل هؤلاء أقول : لا تحتقروا ذكاء المغاربة، و لا تعتقدوا أنهم لن يستوعبوا أسباب حركية البعض وما يهدفون إليه. واحذروا، رحمكم الله، أن يشمئز منكم الناس، و يقللوا عليكم العفة و يكفوا عن توقيركم كما تستحقون. و هو والله ما لا يرضاه العقلاء لأي مواطن مغربي كيفما كان، فكيف يمكن قبوله على كبرائنا و “زعمائنا” مهما اختلفنا معهم، و مهما كان تضييقهم قد طال شبابا و كفاءات عديدة بغير وجه حق؟

أملي أن يدرك من يحملون وطنية حقة و حرصا على الصالح العام، أن خرجاتهم المسترسلة في الزمن و في اللامعنى، تقتل ما بقـي من أمل لـدى المواطنين، وخاصة الشباب، وتشجع على مزيد من القنوط من كل شيء، و تعزز النفور من “وطـن” يراد لشبابه أن يقبلوا أمرين أحلاهما مـر: إما “الصمت و الفراغ” و غياب سياسات عمومية تنمي البلد،؛أو صخب “الكلام” الذي لا يبني المستقبل و لا يراعي مصالح الناس. 

لذلك، أتمنى أن لا يساهم من يحسبهم الناس “حكماء”، في أن تختلط في الأذهان دلالات “الوطن”، وينقص في الوجدان وهـج الانتماء والاعتـزاز بالهـويـة الوطنيـة. فعـوض أن يتم ملأ الفراغ بأي “حديث”، من الأجدى أن يـوجـه “البعض” ما تراكم لديهم من “تجربة”، و “علم بواقع المشاكل و صعوبات التدبير”، و “إكراهات المحيط الجيوسياسي والجيواستراتيجي”، و المساهمة من منطلق ما نضج لديهم من “حكمة”، في كل ما من شأنه تخفيـف آلام ضعفـائنـا ومهمشينـا، و ما من شأنه أن “يسهل” فتـح الأوراش المُدمجة للشباب، و إطلاق مصالحات جادة مع كل الفئات المجتمعية ومع المهنييـن الـذيـن تعرضوا للتضييق والتعنيف المادي والمعنوي. تلك سبيل الحكمة والرصانة، وذلك شرط استمرار الأمل قائما في الوطن أولا، وفي المستقبل، ثانيا.

لي اليقين أن اللحظة التاريخية الوطنية استثنائية بكل المقاييس، مما يفرض علينا أن نحيي الثقـة في الـذات، الفردية و الجماعية، و الثقة في الآخـر، والتركيز بتجرد و بنفس وطني صادق، بدون انتهازية مقيتة، وبدون خوف من تحميل المسؤولية أو خشية استثمار أخطاء “الآخر” لتصفية حسابات سياسية. 

الأهـم الآن، و الأكثـر استعجاليـة في اعتقادي، هـو أن نعمـل على تجنيـب الـوطـن تبعـات التيئيس في واقع شبابي متردي، وذلك من خلال رزمة إجراءات لوقف نزيف العجز الإجتماعي، لعل أهمها في نظـري: 

  • إطلاق دينامية تأهيل شامل لآليات تدبير الشأن العام، على قاعدة الكفاءة والاستحقاق، وتملك حقيقي للقدرات التدبيرية؛ 

–  تطوير هندسة الفعل العمومي لجعله مواكبا لانتظارات الناس؛ 

–  تعزيز مشاركة المواطنين، و رفع الصعوبات التي تمنع تطوير فعل المجتمع المدني الجاد والمسؤول،

  • إحياء الوعي بقيم الحرية والديمقراطية والحق في الاختلاف، و حتمية التنوع والتعدد.
  • اعتماد سياسة إعلامية تجسد مقومات الهوية الوطنية كما تم الاتفاق عليها في الوثيقة الدستورية، حفظا للذاكرة الجماعية و تقوية للارتباط بتامغربيت الحقة.
  • تشجيع المبادرات الإنمائية والاستثمارية.
  • تعزيز المسؤولية الاجتماعية لكل المؤسسات، و إلزام الإدارة والمؤسسات العمومية على جعل المواطن المغربي قطب الرحى في الفعل التدبيري.

وفي انتظار أن يتحرك الضمير الجماعي للقائمين على تدبير الشأن العام، لنرى شيئا من هذه الإجراءات على الأرض، علينا أن نحرص على أن تبقي شعلة الأمل، لكي لا نسقط في ما يريده دعاة التسفيه و العدمية من دفع الناس إلى ظلم الوطن ولعنه بدون مشروعية ولا سبب. 

أقسم بالله أن الوطن هو أول ضحايا ضعف الكفاءة والفساد في تدبير الشأن العام، كما نحن المواطنين، ضحاياه المباشرين. و بالتالي، لا ذنب للوطن فيما يعتمده البعض من سيـاسـات عمـوميـة يكـون من نتائجها المباشرة إشاعة اليـأس. و لنتفق بصفة نهائية على أن الوطن مقدس و هو أبقى، و أنقى، وأعرق من أي حكومة و رئيسها. و أن ثوابت الوطن هي الحصن المنيع ضد دعاة العدمية والتيئييس. و أن الحكمة هي في المسارعة إلى تجديد الثقة، و وضع مرتكزات جديدة لتعزيز السلوك المدني المتحضر، وبناء مستقبل مشرق بشراكة مع كل أبناء الوطن، على قاعدة تمجيد أصالتنا المغربية بكل روافدها، و فتح الباب أما نهضة شاملة نتدافع بها من أجل أن يكون مشروع “المغرب” تنافسيا و منفتحا على العصر و تحدياته العلمية والفكرية والثقافية.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


59 − = 49