حول واقع الفلسفة بمؤسساتنا التعليمية

بقلم – رشيد الماهيري

مما لاشك فيه أن الفضاء المخصص للتفكير الفلسفي ، بما هو تأمل نقدي حر واستشكال لقضايا الإنسان والمجتمع ، يظل هو فضاء المؤسسة التعليمية بامتياز ، ذلك ” أن مستقبل الفلسفة يتحدد من خلال وضعها داخل المؤسسة فهي لا توجد إلا داخل أسوارها ، والمتعلم لا يتعرف عليها إلا في الثانوية أو في الجامعة ، إذا اختار بشجاعة التخصص في الفلسفة ” .
لكن التساؤل المطروح في هذا الإطار هو : هل تسمح المؤسسة التعليمية بانفتاح أفق تفكير نقدي ، يساهم في خلخلة الأفكار المسبقة والثوابت والبديهيات ، ويعيد النظر في العديد من قناعات الحس المشترك وإبداء الرأي ؟ . إن الداعي إلى هذا التساؤل ، يرجع إلى ما استنتجته بعض الدراسات الميدانية المتعلقة بالخطاب الفلسفي المدرسي بالمغرب ، والتي نذكر من أبرزها دراسة الأستاذ مصطفى محسن التي اختار لها كعنوان : ” المعرفة والمؤسسة “حيث أقر ، بعد استقراء ميداني ، بأن أغلب مدرسي الفلسفة واعون بالخلفية الاجتماعية للخطاب الفلسفي المدرسي الرسمي كخطاب مؤسسي إيديولوجي ، وبكونه يعبر عن وضعية اجتماعية ، من أهم مواصفاتها : أزمة غياب مشروع مجتمعي قادر على إفراز وتوجيه مشروع تربوي أو سياسة تربوية واضحة المعالم . ويبدو وجه المفارقة هنا ، في وعي هؤلاء المدرسين بالوظيفة النقدية والتنويرية للممارسة الفلسفية ، والتي تتعارض مع التوجهات الفكرية والإيديولوجية للخطاب الفلسفي المدرسي الرسمي “.
ومن تجليات هذه المفارقة ، كون الخطاب الفلسفي المدرسي خاضعا لمنطق وصفي ، يعتمد أسلوب المراكمة والتجميع وتصفيف المعلومات إلى جوار بعضها ، وأيضا لمنطق انتقائي نفعي قائم على تعامل اصطفائي مع الأفكار والمعارف والأعلام والمذاهب ، والحال أن هذه المواصفات متناقضة تماما مع روح الفلسفة وطبيعتها النقدية والحوارية “.

نتيجة ذلك ، فان هذا الخطاب الفلسفي المؤسسي ، سيتسم بالتفكك شكلا ومضمونا : فعلى مستوى الشكل ، أي على المستوى الأفقي العام ، لا يوجد أي ترابط متين بين مقررات الثانوي ، وعلى المستوى العمودي المضموني لا يوجد أي إشكال مركزي أو رؤية منسجمة موحدة وموحدة لهذه المحاور والدروس . ويعود هذا الأمر إلى مسألتين ، هما :

_ عدم صدور الخطاب عن تصور ما ، لمفهوم الفلسفة أو عن معاناة فكرية .

_وجود نوع من التحفظ على إعلان الانتماء الفكري لمذهب أو فلسفة من الفلسفات . هناك إذن حلقات مفقودة في محاور الدروس ومضامينها ، بين طبيعة الفلسفة كخطاب نقدي ، ووجودها كخطاب مدرسي ، تنضاف إلى الحلقات المفقودة بين منهجية التدريس وأهداف التعلم ، بين أهداف التقويم وأهداف التدريس ، بين محتويات البرامج ومضامين الكتب المدرسية ، وبين زمن درس الفلسفة وهزالة الحصص المقررة .

إن هذا الأمر ، يستدعي نقدا وتفكيكا لوضع الفلسفة بالمؤسسة التعليمية من لدن الفاعلين في المجال التربوي وأصحاب القرار السياسي ، بغية تحديد مصير الفلسفة وتقرير مدى انخراطها في الصيرورة الاجتماعية . فمسار الفلسفة ومصيرها مرتبطان بالفعالية الاجتماعية والسياسية والفكرية والتاريخية للشعب ولنخبه وكما يقول هايدجر : ” فليس تدبير المصير سوى انفتاح شعب ما على المستقبل ، داخل الممكن التاريخي الخاص به ” .

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


1 + 2 =