المرأة ومشتقّاتها اليَوم 

أفق – وفاء البوعيسي*

نكاد لا نجد كائناً أكثر صمتاً من المرأة، على الرّغم من الاعتقاد بأنّها أكثر كلاماً من الرجل، ونكاد لا نرى كائناً حيّاً يتجلّى حضوره في عالَمه مثلها. 

لقرونٍ عدّة تأخَّرت المرأة عن موعدها بالكلام عن نفسها، وبالطبع لأسباب تاريخيّة معقّدة. وكان الرجل خلال ذلك يفكّر في كيف يجب أن يبدو عليه حضورها. كان الذكور يُمارسون سطوة رؤاهم ووجهات نظرهم الخاصّة حول طبيعتها، فهل هي مثلاً من الذوات العاقلة ولها كيان مستقلّ مثلهم، أم إنّها مجرّد كائنٍ بيولوجيّ غايته الترفيه عنهم وتكثير نَسلهم؟

وحين استقرّ الرأي لديهم على أنّها كائن بيولوجي، استبعدوا منه كلّ ما يُعتقد أنّه يخصّ الرجال، كالعضلات والعقل والقوّة والتعبير، حتّى أنّهم أسرفوا في تعميق ما قرَّروا أنّه جذّاب، للوقوع على أنوثة خالصة النقاوة، دائمة الجاذبيّة والشباب. 

هذه الأفكار الأوّليّة حول المرأة، تحوّلت في ما بعد، إلى عقدٍ اجتماعيٍّ غير مكتوب، تَوَافَق عليه زعماء المجاميع الذكوريّة عبر التاريخ، من زعماء قبائل قدامى، وكَهنة مَعابِد، وأرباب مِهن، ومُلّاك أراض، ومكدّسي أموال. وقد صَمَدَ هذا العقْد عبر التاريخ، في وجه الحضارة والتقدُّم الذي شهدته الإنسانيّة، لكنّه خَضَعَ لتعديلاتٍ مُتعاقِبة هنا وهناك وهنالك، وهي تعديلاتٌ سايَرت أذواقَ الرجال، بحسب كلّ ثقافة ومناخاتها، لكنْ من طرفٍ واحدٍ على الدوام، وذلك لتنْقِيَةِ الأنوثة ممّا يُعتقد أنّها شوائب تُشينُها.

في آسيا، وتحديداً في الصين القديمة، كانت كواحل الفتيات الصغيرات تُشَدّ إلى عمود البيت، لثَني الساقَيْن ومَنْحِ مَشيتهنّ تمايُلاً وغنجاً يفتن الرجال. وفي اليابان، جرى حشر أقدام الطفلات في أحذيةٍ ضيّقة لسنواتٍ متوالية، حتّى تنبعج القدم وتتقلّص، وبذا تحتفظ الأنثى بقياسٍ صغير، مهما تقدَّمت في العمر، هذا لأنّ الثقافة السائدة وقتها، كانت تعتقد أنّ المرأة اليابانيّة ليست بحاجةٍ لأن تمشي مسافاتٍ طويلة بعيداً من بيتها، وبما يكفل خدمة زوجها وأولادها فقط.

وفي بورما وتايلاند، تُجبر صغار الفتيات على وضعِ حلقاتٍ نحاسيّة حول رقابهنّ، لتستطيل أعناقهنّ أكثر من المعتاد، وذلك عن طريق ضغْط ثقل الحلقات وصلابتها على عظام الترقوة حتّى تغور للأسفل، ويشرئبّ العنق للأعلى، وتظلّ الرقبة، في المناسبة، مُحاطةً بالحلقات على مدى العمر، ولا يُمكن نزْعها حتّى لا تموت صاحبته.

في العالَم العربي، وفي موريتانيا بالتحديد، تُجبر النساء على تناوُل كميّاتٍ كبيرة من الطعام المشبّع بالدهون، بغرض تسمينهنّ للعريس قسراً، وذلك دونما اكتراث لعواقب ذلك على صحّة المرأة وعافيتها جرّاء تراكُم الشحوم وزيادة الكوليسترول الضارّ.

أمّا في الثقافة الحسّانيّة في المغرب الأقصى، فتتناول كثرة كاثرة من الشابّات كميّاتٍ محسوبة من علف الماشية، لتكبير أجزاء معيّنة في أجسادهنّ، ولاسيّما الصدر. والمهمّ في ذلك العقد المرتحل عبر الحدود والثقافات، كان إرضاء المزيد من تبدّلات أذواق الرجال وأمزجتهم في الجمال الأنثوي. 

في السودان، سَرَت ثقافةُ ضرورة استرداد العذريّة بين النساء، عقب كل ولادة تخضع لها المرأة، عن طريق تضييق قناة عنق الرحم، في شكلٍ مشوَّه ومؤلِم، لعَيش تفاصيل “ليلة الدخلة” مرّة أخرى.

أمّا في أوروبا القرون الوسطى، فكانت الفتاة الصغيرة تُجبر على ارتداء مِشدٍّ للخصر ليل نهار، يضغط على أعضاء جسدها من الداخل، حتّى يتراكم بعضه على بعض، ليأخذ قوامُها مع الزمن شكلَ ثمرة الكمثري، ولا يهمّ بعد ذلك مقدار الألم الذي ينجم عن ذلك، بخاصّة مخاطر الضغط المتوالي على الأمعاء والقفص الصدري.

وفي زمن العَولمة، ومع التطور الهائل في علم الطبّ ووسائل التغذية، تبدَّلت أذواق الرجال، ضاقوا ذرعاً بالاختلافات بين النساء، بسبب طبيعة الحضارات التي ينحدرن منها، ففكّروا في إلغاء تلك الفوارق، وتوحيد شكلهنّ بإلغاء هويّاتهنّ الخاصّة، التي تعبّر عن نفسها في حجْم الأنف والشفاه، ونوعيّة الشعر، وحجْم الأرداف. مالوا إلى النحافة، وإحداث مقاييس صارِمة للأنف، وإلى ارتفاعٍ محسوبٍ بدقّة للخدَّين، وعدد الملّيمترات بين الحواجب والجفون، ولو اقتضى الأمر إعدام بصيلات الشعر في الحاجب، واستبداله بـ”تاتو” محدَّد الشكل بدقّة متناهية.

أمّا الشفاه، فكان يجب أن تتدلّى مُنتفخة لتبدو وكأنّها في وضْعٍ أكثر من جاذبٍ لكلّ ناظر إليها. وأمّا الخصر، فكان يجب نحْته ليبدو كقيثارة، وأسفله تُضخّم الأرداف على نحوٍ لا يتناسق مع النحافة المقصودة. وأمّا البشرة، فيجب أن يُحال بينها وبين تكدُّس التجاعيد وترهّلها، ما يوجِب شدّها أو حقْنها، في رغبةٍ محمومة لأسْرِ انتباه الشباب لأطول مدىً مُمكن. 

مثل دمية المانيكان

رَغِب رجال هذا القرن، بامرأة نَضِرة، لا تشيخ، لا تمرض، لا تسمن، ملساء، متورّدة، مضيئة مثل دمية المانيكان في محالّ الألبسة والأزياء التجاريّة، وقد نجحوا في ذلك؛ إذ خَرجتْ دمية المانيكان من “الفيترينا” الآن، وهي تتمشّى في كثيرٍ من شوارع العواصم والمُدن العربيّة والعالَميّة وساحاتها، شرقاً وغرباً، مُتمظهرة بمساحيق وموادّ جماليّة مُستعارة، كالرموش، والأظافر، وخصلات الشعر الصناعي، و”تاتو” بدل الحاجبَين، وعدساتٍ ملوَّنة، وسيليكون في مناطق الصدر، وعقاقير لتكبير الشفاه وطرْد التجاعيد، ومُستحضرات تسمير البشرة أو تشقيرها؛ لكن وعلى الرّغم من تورُّد الخدود بصورةٍ شبه دائمة، فقد ظلّت الوجوه شاحبةً، هزيلة وكأنّها مُصابة بفقر الدم أو الأنيميا. ومع ذلك، ما زالت هذه الوجوه حثيثة تلهث خلف ما تتطلّبه آخر صرعات الموضة ودَورات الاستهلاك المحمومة؛ إذ تقدِّر بعض الإحصاءات الأميركيّة أنّ حجْم المبيعات العالَميّة من مستحضرات التجميل يفوق الـ 210 مليار دولار سنويّاً في مُختلف بلدان العالَم، والأمور مرشَّحة لمزيدٍ من تضاعُف المبيعات على الرّغم من الأزمات الاقتصاديّة التي تمرّ بها أغلب بلدان المعمورة. وبحسب آخر تقريرٍ دَوليّ لصناعة مُستحضرات التجميل، فإنّ مصانع مستحضرات التجميل في أوروبا والولايات المتّحدة ضاعفت من إنتاجها خلال السنوات الثلاث الفائتة بما يُجاوز الستّين في المئة من بضاعتها المُهيَّئة للتصريف الفوري وبناءً على طلبٍ بل عطشِ السوق العالميّة إليها.

من جهتها كانت شركة الأبحاث الدولية “يورو مونيتور إنترناشيونال” قد أعدَّت دراسةً خاصّة حول استهلاك العالَم العربي لمُستحضرات التجميل، بيَّنت فيها أنّ سوق مُستحضرات التجميل العربيّة، والعناية الفائقة بجمال المرأة، وانتشار عيادات عمليّات التجميل الخاصّة، قد زاد الاستهلاك فيها بنسبة 400 في المئة خلال السنتَيْن الفائتتَيْن، ما يعني أنّها السوق الاستهلاكيّة الأولى في العالَم، تليها السوق الأميركيّة، فالروسيّة ثمّ الأوروبيّة.

أمّا سوق مُستحضرات التجميل الصينيّة، فهي تكتفي بإنتاجها الذي لا يقلّ جودة عمّا يُنتجه الغربيّون على هذا الصعيد، ولاسيّما في فرنسا. لكنّ المرأة الصينيّة هي الأقلّ هوساً من نظيراتها في العالَم على صعيد استخدام مُستحضرات التجميل على أنواعها، تليها النساء في أوروبا والولايات المتّحدة.

وتشتمل صناعة مُستحضرات التجميل على خمسة فروع رئيسة هي: مستحضرات العناية بالبشرة، وتحتلّ صدارة المبيعات، إذ تحظى بـ 44 في المئة من إجمالي الطلب عليها، يليها الطلب على إكسسوارات المكياج، ثمّ مُستحضرات العناية بالشَّعر، فالعطور على أنواعها.

نتائج تصنيع الجمال النسويّ

نعم، لقد جرى ومنذ قرون، وبإصرارٍ مقصود، اشتقاق امرأة أخرى، مُستخرَجة من الأولى، تُشبهها في التركيب البنائيّ، لكنها ليست هي بالتأكيد. 

كلّ ذلك يدفعني للقول إنّ الهوس بالمكياج المُبالغ فيه، وعمليّات التنحيف والتجميل المُفرط التي نراها لدى كثيرٍ من النساء اليوم، لم تعُد، ومنذ مدّة طويلة، سلوكاً فرديّاً لبعض المُترفات، بل تحوَّلَ أمرها إلى ظاهرةٍ وثيقة الصلة بالمتغيّرات الاجتماعيّة والحياتيّة المصنَّعة وثقافة الاستهلاك التي رافَقت وتُرافق تنامي توحُّش الرأسماليّة العالَميّة، والتي من شأنها تصنيع الجمال النسوي وتسليعه، وتغيير نسيجه الطبيعي، وإخضاعه لسوق العرض والطلب، واستطراداً إنتاج امرأة ضحلة، نمطيّة، مُستنسَخة، مُثيرة، عصريّة المَظهر، والجمال المُفبْرَك، وتوظيفها في الإعلان والماركات المسجَّلة، وحتّى في الزواج السريع، وكلّ ذلك يعتمد على الظفر بامرأة خُلبيّة، مطواعة، حتّى لو تسطَّحت شخصيّتها وأَهملتْ قضاياها الإنسانيّة الحقيقيّة الملحّة، فالرجل إذّ ذاك سيعوّض غيابها بمزيدٍ من الأكاذيب حول تحرُّرها.

*روائيّة وكاتبة من ليبيا

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


11 − 6 =