كوبّاطا cobbata أو إنهم يشبهون تماماً حيواناتهم ils ressemblent exactement à leurs bêtes

بقلم – حسَن الرّحيبي


كوبّاطا جايّة تزگي بالقياس
نوض آعمر كتّف دجاج الناس
راخْديجة غرّها النّعاس
في قهاوي النّاس

أغنية جميلة تغنّى بها المرحوم العبدي لمدح كارّ كوبّاطا في بداية الستينات وهجو جاره عمر العبدي راجل خديجة الگمانية … شخصيات ماتت منذ زمن بعيد لكن لم تمت ذكرياتنا عنهم وعن حافلة كوبّاطا الجميلة والهادئة والمتميزة التي شكّلت نافذةً لقبيلة عبدة ودكالة يطلون منها على مدينة الدار البيضاء الفسيحة والواسعة والعريضة كما تغنينا بها دائماً ونحن نعمل بالحقول أو نرعى المواشي مرتقبين مجيء بابا احمد العسكري وأبنائه حاملين لنا معهم أشياء جميلة من المدينة مثل الثياب البسيطة التي يخيطونها في بيتهم اقتصاداً لأجرتهم الشهرية القليلة نظراً لعمله المتواضع بعد رجوعه من الأسر بألمانيا سنة 1945 حين خاض حرباً ضارية لم يكن له فيها أعداء سوى الفقر وقلّة الشّي التي دفعت بشبان بوادي شمال افريقيا التي لم يكن لهم فيها ناقة ولا جمل سوى ظروف الجفاف والجوع والبون … يأتي بابا احمد أيضاً بدراجته الهوائية الخضراء بمقود معقوف كقرون تيس متوحش مما يثير فضولنا ومحاولة اكتشاف طريقة الإمساك بهما بل قد نحاول مد يدنا لقرع الجرس كي نسمع رنته الجميلة والمتميزة لكنه ينهرنا كي نبتعد عنها والاهتمام بفخاخنا وأشيائنا الهزيلة : اخرجوا تلعبوا لكم على روسكم وتفرقوا لي على البوشكليطة !
بينما تكون امّي حليمة أمه التي تحبه كثيراً وعانت كثيراً حين انخرط بالجيش الفرنسي بمكناس أواسط الثلاثينات دون إخبارها وظلت تتردد على الشوافات بمناطق بعيدة كي يخبرنها بموته أو حياته وقدومه من عدمه … إلى أن أكدت لها شوافة سيدي كانون : كتسولي على احمد زين البشرة ؟ إلى كان ميّت بغيت هاذوا يموتوا عليّ مشيرةً لركبتيْها وأطرافها ! فعاد فعلاًبعد وقت قصير من ذلك … لذلك بقيت تنتظر منه الشيء الكثير حين يعود مع أسرته مرةً احدةً في الصيف وعينها على الحقائب والرزم الكثيرة التي جلبها معه . وما هي حصتها هي وحصة أصهاره بالمصابحة ؟ مما يدفعه لتهدئتها وطمأنتها بالقول : هانتِ آمّي راه عاللّي جتْ لك جتّ ليهم ! وعندما تطمئن تخوض معه في حصة كئيبة من العناق والبكاء والنحيب والتعداد … تقشعرّ له الأبدان وتنقبض القلوب لتذكرهما أحداث الماضي البعيد والبئيس وتغييب الموت لجل الأحباب .. ثم يعمدان لمسح مؤقلهما ويبدآن في مساءلة بعضهما البعض عن الأحوال والصحة والمستجدات.. لكن عندما ترى المتاع قليلا ونصيبها غير كاف وغير مطمئن تسرع بالخروج والانسحاب خلف الخيمة رغم تقوس ظهرها وانحنائه رافضة السلام عليه والبكاء والعناق رغم توسلاته وشرح ظروف عمله وقلة مرتبه.. إذ وجد عملا فقط في كنس شوارع الدار البيضاء بسبب أميته وعدم إتقانه لأية مهارة أو عمل سوى العمل العسكري وخوضه للحروب ضد لاليمان lalimane وحين نسأله فاش خدام آبابا احمد ؟ يجيب بتلقائيته المعهودة وبصوته المرتفع المعتاد : سربيس مانيسيبو services municipaux أي الأشغال البلدية . لذلك كانت ملابسه دائما زرقاء نظيفة وجديدة بينما القديمة منها والباهتة يمنحها لأبي يلبسها أثناء الاشتغال في الحرث والحصاد وجني محصولات الكرموص المسلم وكرموص النصارى ..حين كنا ننظم مسيرة صباحية بشكل يومي يشترك فيها الجميع أطفالاً وكباراً وحيوانات بما فيها الكلاب تتبعنا ونحن نتجه نحو جنان ضاية الرحبي محملين بالشواري والقراصة والمذرة لفتح الجنان بإزالة حزم السدر التي كانت كافيةً لصد الغزاة الليليين حين كانوا يداهمون جنان المعطي وافر الباكور وكل الخيرات المشهية التي تسحر مدخني عشبة الكيف بعد منتصف الليل فنتعرف عليهم جميعاً من خلال آثار أحذيتهم بمن فيهم كبيرهم الفقيه الذي يعلمهم السحر المتميز بطفشته الخاصة..
نقطف الباكور بأنواعه الخالدي والبيوضي وعين الحجلة وبزولة العودة والشايظمي والشتوي وحب الرمان ونملأ الشواري بالكرموص ونقفل راجعين في قافلة من الرجال والأطفال والحيوانات عبر مريرة أو طريق مستحدثة نصنعها بأقدامنا الحافية وحوافر دوابنا تبقى خاصة بنا طوال فصل الصيف والخريف وقبل هطول أمطار الشتاء الأولى وانغمارها بمياه الأمطار وانمحائها بعد ذلك بالحرث.. سائلين بابا احمد عن أنواع المدافع والأسلحة ومن يغلب الروس أم الميريكان ؟ ننتصر دائماً للروس لا نعرف لماذا ؟ رغم أن جميع الشاحنات المارة من أمامنا مملوءة بغبار المازير والمتجهة نحو الولجة من نوع gmc و chevrolet و dodge و ford.. كلها أمريكية وكذلك السيارات القديمة المجنحة والمتينة المستعملة في نقل المتسوقين.. يعطينا بابا احمد تعريفاً لكل أنواع الرشاشات والمدافع والبنادق الأوروبية وكم عدد طلقاته في الدقيقة الواحدة أتذكر منها مدفع merculoclose tire deux ça cartouche à la minoute هكذا ينطقها بفرنسية ركيكة وكذلك عندما يتحدث بالألمانية مما جعلني أتعرف على ذكاء هؤلاء البدو الذين لولا الأمّية والتهميش لكان لهم شأن آخر مع العلم والمعرفة واكتساب مهارات اللغات.. لكن تواجدهم في مجتمعات جاهلة ومتخلفة جعلهم يبدون كجاهلين أميين..
تستفزنا ملابس أبنائهم الراقية بالمقارنة مع حالتنا البئيسة والمثيرة للشفقة والعطف pitoyable et déplorable فنعتدي عليهم بدون سبب منطقي ضاربين بعرض الحائط كل قواعد اللياقة والكياسة وحسن استقبال الضيوف.. بل أخوض معهم معارك حقيقية تصل لمستوى الضرب والجرح لا لسبب سوى لتفوقهم علي في الهندام والمظهر خاصة عندما أجد نفسي بأسمال ممزقة ومهدوشة وملطخة بدماء العصافير ودود حنبازة.. ولا أستطيع تغييرها أو امتلاك أخرى كقطع غيار . أناشد أبي شراء شيء يجعلني أبدو بمظهر على الأقل مقبول أمامهم لكنه لا يبالي بما أتعرض له من استهزاء وسخرية وضغط نفسي رهيب منهم وإحساس بالنقص un sentiment d’infériorité حقيقي أمام أقرب الناس مثل گريگيعة االمعلم المبتدئ الذي يتحالف معهم لتحويلي لموضوع تهكم طول النهار حتى لما استطعت الحصول على teashort أسود لا بأس به نجحت في انتزاعه من مصروف أبي الهزيل حين بلغ ثمنه من كومة البال للمرحوم الظريف 35 ريالا بحالها وقدرها المرتفع آنذاك إذ أعمل فيها لمدة أسبوع في گاعة سي بوشعيب لعزل سنابل الفرينة من القمح ب 5 ريالات لكل لكل يوم حتى الظهر ! تخيلوا الوضع !
ينتج عن هذا الصراع إيجاد ذريعة كافية un prétexte لإقناعهم بحزم حقائبهم وانتقالهم غرباً نحو دوار المصابحة عند خيمة سي عبد البّاردي مما يحزن امّي حليمة ويزيد من لومها لابنها الذي يفضل المكوث عند أصهاره ولا يعود لزيارتها إلا لماما بسبب ملازمة الرجل دائما لزوجته وأبنائه مما يغضب دائما أهل الزوج ويروق لأهل الزوجة وهو السبب الحقيقي للحقد الأبدي بين زوجة الإبن وحماتها والذي لم يجد له علماء النفس والمجتمع والأخلاق والدين أي جواب أو حل.. فيجيبها بعنف عندما تسأله عن عدم عدله في حقها : مانا ما نشوفوش كبيدتنا ؟
لم يكن أهل المدينة يولون لأهل البادية أي اهتمام إلا عندما يريدون السطو على دجاجهم وسمنهم وزرعهم أو تسخير أطفالهم لحاجتهم الخاصة فيأخذون في شكر عملهم وأشيائهم مما يحعل البدو ينبسطون ويخضعون لسحر كلامهم المعسول فيستصغرون متاعهم لصالح المدح والإطراء الزائف.. لم أنس أبداً انتزاع بابا سيارة حديدية جميلة وجدتها في أحد دروب الدوار المتربة ووروارة خضراء تصدر صوتا شبيها بصوت الطائرة النفاثة لم تقلع وإعطائهما لابنه المفضل سيدي عبد الله.. لكن لم أنس أبداً انتقامنا منه واقتصاصنا حين اقتحمنا النوالة عليه أثناء اقتناصه للحظة انتشاء حميمية رغم صراخه من الداخل لما سمع وقع أقدامنا التي تدك الأرض صوبها بعنف : ما تحُلّشْ ماتحُلّشْ ماتحُلّش.. لكننا لم نبال باستغاثته الاستعجالية المتأخّرة حتى وجدنا أنفسنا وجها لوجه أمام وضع لا يحسد عليه ! في الحقيقة كنا عفويين وتلقائيين ولم يكن من عادتنا نحن السذّج أن يكون في أنفسنا ضغينة أو حقد أو سبيل للانتقام بأية طريقة من الطرق اللاّإنسانية والّلاأخلاقية نحن أبناء البدو الأقرب إلى الحيوانات التي نمتلكها ونرعاها كما قال guy de maupassant في حقّ البدو الفرنسيين الذين عايشهم في أواخر القرن التّاسع عشر.. إنهم يشبهون حيواناتهم تماماً ils ressemblent exactement à leurs bêtes !
لم أنس أبدا جلب مرت عمي مجموعة من أحقاق الكوفيتير الذي لم نتذوقه أبدا لكنها كانت فارغة برسوم فواكه جميلة على جوانبها المستديرة مما أثار إعجاب أبي وشهيته فلم يدر كيف سألها : مشماش هذا ؟ لترد عليه بحزم وعنف أيضا : تفاح آمولاي!
لم أدر سبب ذلك العنف من أجل صورة جامدة بينما لم نأكل مربى ولم نشم حتى رائحته.. كمن ينتظر على ظهر الحافلة امرأة جميلة يخوض رضيعها موجة من البكاء والصراخ كي ترضعه لكنها تتحرج من نظرات الفضوليين فينفد صبره متأوها : ما رضعت ما شنا بزازل!

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


37 − = 36